رحلة البحث عن ملك جديد:
عندما توفي نبي الله سليمان، اجتمعت أمة الطيور عند محراب الهدهد وخطبت فيه قائلة:
أيها الهدهد الحكيم، لقد مات ملكنا... و ها هي الأمم كلها تسير أمامنا، قد تفرقت في شعاب الأرض و اتخذت لها ملكاً يسودها بالعدل و يفصل بينها بالقسطاس المبين، فكيف تخلو أمتنا من ملك؟ و أنَّى السير بلا دليل و الطريق مازال أمامنا طويل؟ و حَتَّامَ الشتات بلا وطن، و الهجرة مِنْ و إلى العدم؟؟
فهلا أرشدتنا إلى مدينة "واو" ، حيث رأيتَ ملك الطيور يجلس على عرشه، فنتبع شِرعته و نستقر على رأيه؟؟؟
حينئذ أقبل عليهم الهدهد، حكيم الطيور، خليل سليمان الملك النبي، الذي زينته الحكمة حتى علا مفرقه تاج الحقيقة...
أقبل عليهم مضطربا حائراً، لا يقر له قرار... إنها خبرة الطريق، حيث يفقد العقل ميزانه، وتتضاءل الحكمة أمام سطوة العدم، ويغدو العجز عن الإدراك إدراكاً، والصمت فضاء متحرر من وطأة الألفاظ وحصار اللغة وهيمنتها، وتصبح الحيرة غاية منشودة...
لقد شارف الهدهد الحافة، واكتشف خدعة الحقيقة وكذبة الصراحة و وهم اليقين!! فحين نحدق في العمق الموحش للوجود تباغتنا روعة الفوضى وعظمة الخلاء وكوننا أبناء الهجر والتخلي بامتياز!!
لقد رحل الهدهد رحلته من قبل نحو الملك، فأصابه الاضطراب والدوار وهو يلامس حافة العدم، لكنه ظل حكيمًا عاقلاَ مؤمناَ بالحدود والنهايات، فلم ينثر الروح، ولم يتجاوز التخوم، وخشي تذوق المتعة المحظورة، وممارسة لذة الاحتراق في جحيم الإله... نعم لقد لمح الهدهدُ ملكَ الطيور، لكنه رفض التحديق لكي لا يصاب بالعُمي، فتُستلبُ الروح ويُدمرُ العقل...
عاد الهدهد، دون أن يضع القدم في الماء، ليُخبر الرفاق عن الملك، ولكنه بماذا يخبرهم؟؟ وهل ذاق شيئاً أصلاً؟!
نطق الهدهد بعد لأْي: من أراد الملك فليلحق بي. و إياكم و السقوط في الطريق، فتَلتهمكم فخاخ الوجود المبتذل!!!
لكنهم سقطوا تباعاً في فخاخهم، و ضاعت منهم غاية الرحلة في الطريق...

فلنبدأ بفخ البلبل:
إنه العاشق المدلل... أقبل ولهان نشوان ثملا، وقال: إلي قلوب العشاق سرت، في كل زمان أردد سراً جديداً، وفي كل آونة أصدر لحناً جديداً. ما إن أصابَ العشق روحي بجبروته حتى أصبحتُ بحرًا مضطرب الأمواج... معشوقتي الوردة تنثر علي أريج عطرها بداية كل ربيع... وهكذا أصبحت في عشقها مستغرقاً، حتى فنيت عن نفسي فيها!!
لم يكن البلبل ساقطًا ولا مبتذلاً في ما لا قيمة له، بل كان عاشقًا مولهاً، أخذته رعشة الانتشاء الثمل بسحر الجمال، جمال الوردة الرقيقة الباسمة!! فلماذا التفت البلبل عن الرحلة؟! هل حقاً وقع البلبل في عشق الصورة الدنيوية الوهمية الزائلة، والتي تصيب عاشقها بالضجر والملل، نتيجة التكرار والرتابة المعتادة المدمرة لطزاجة التلقي؟! وهل استسلم البلبل العاشق لأشواك الوردة الجميلة، وسخريتها القاسية منه نهاية كل ربيع حين تتخلى عنه وتتركه للنواح ليله ونهاره حتى تظهر ثانية مع قدوم ربيع جديد، وهل حُجِبَ البلبل بالصورة عن الأصل، وبالعدمي عن الخالد؟!
هذا ما قاله الهدهد العاقل الحكيم للبلبل، كاشفاً عن سوأته وخديعته الخفية لذاته عبر ادعاءات العشق الجميل الزائف!!
دافع البلبل عن موقفه: ألا يحق لي أن أكون رافضاً لمنحة الخلود، متمرداً عليها؟؟ ففي حضرة الجمال الأزلي ربما تكون السكينة المطلقة، سكينة البهتة والصعق والانمحاق أمام شمس الإله المشرقة، فحين تصل الطيور إلى الملك، ويرفع النقاب عن وجهه، فليس إلا المحو، ويغدو الحضور الذاتي إزاء تجلي الخفي المرعب الجميل الطاغي حضورًا هو للعدم المحض أقرب!!
لقد تمرد البلبل العاشق على الفضاء الآمن في ظل الملك وسيادته، وآثر مساحات الالتباس وفتنة الاكتمال المؤذن بالنقص، ومتعة الوعد المرجأ دوماً، و ظل مخموراً بسطوة العشق وجبروت نغمته المائزة، يردد في كل آن لحنًا وسرًا جديدًا... فسقط دون بلوغ الغاية...
زهو الطاووس:
أما الطاووس فقد كان أكثر جرأة وتطاولاً و وقاحة من الآخرين، حيث أقبل في حلة ذهبية، كأنه عروس يوم الجلوة قائلاً: أنَّى للملك أن يحظى بمكانتي و أنا جبريل الطيور؟ لقد كان الفردوس الأعلى مكاني، لذا ليس لي عمل آخر في الدنيا غير محاولة العودة للجنة مرة أخرى...
لكن الهدهد عرف حقيقة ما يسعى إليه الطاووس، ألا وهو السلطان الفردوسي، ذلك أن الطاووس كان واقعاً في أسر جماله الذاتي، وقد أغوته حية الفردوس، فسرى سمها في دمه، حتى أخرجته من جنة عدن... حينئذ وعي الطاووس ما ألم به من مذلة فادحة، واستقر عزمه على أن يجد مرشداً له، يعيده لجنة الخلد، فهذا هو آخر مبتغاه...
ترى هل عاد الطاووس عبر توبة آدم إلى حيث اشتهى وتمنى، فارتضى بالقطرة والظل، دون الأصل، بينما كان البلبل العاشق يسعى صوب البحر و الشمس؟!
البطة زاهدة الطيور:
أما البطة، فقد خرجت من الماء غاية في الطهر، وقالت: لا يوجد في كلا العالمين، عالمي الغيب والشهادة، من هو أنصع مني وجها أو أطهر... إنني زاهدة الطير وصاحبة الرأي الطاهر، إن مولدي ووجودي الماء... ومن يكن وعاء مائه مملوءاً، فمتى تتولد لديه الرغبة في الملك؟؟!
ولعل البطة، زاهدة الطير الطاهرة، سقطت في فخ خيلاء الأنا القداسية، متوهمة أنها امتلكت اليقين بطهرها وزهدها واستغنائها الذاتي المخايل... لقد أضحى زهدها وطهرها حجاباً وعائقاً دون رغبتها المتوهجة في الرحيل إلى الملك، لأنها قد شغلت بزهدها عن مانح الوجود، أو هذا ما تصورته!!
لكن الهدهد الحكيم، كشف قناع المخايلة، وأسفر عن وجه الحقيقة القاسي، فما زهدت البطة المدعية للطهارة الناصعة إلا في معاينة الأصل، لأنها استلبت في حضور الفرع، فسقطت في أسرها، وظنت أنها باغتسالها الدائم في الماء، قد تطهرت من دنس الوهم، وتحررت من أسر الخيال في حين أنها كانت ترفس في قيوده وأغلاله إلى درجة العمى وفقد البصيرة...
وها هو الهدهد الحكيم يبرز عمق المفارقة التي تحياها البطة الحمقاء، إذ يقول لها: "يا من تجدين في الماء سعادتك... ستأتي قطرة ماء تسلبك ماء حياتك، لقد وُجد الماء من أجل الوجوه الدنسة، ومهما كنت طاهرة نقية، فطلعتك شبيهة بطلعة كل دنس... “
مارست البطة الزاهدة الطاهرة عنفًا متخيلاً على الملك، ليس حين رفضت إتمام الرحلة، بل حين توهمت أنها بزهدها وطهارتها استغنت عن أصلها الذي منحها الوجود، والذي يَقدرُ على سلبها إياه في أي لحظة يريد...
لم تعِ البطة كون طهرها الظاهري مرآة كاشفة لنقيضه الباطني، دنس القداسة المتوهمة، والاستغناء الزائف الذي يمارس حضورًا غوائيًا استعراضيًا أكثر منه تطهريًا حقيقيًا...
لقد أطفأت مياه البطة الخيالية الطاهرة نار الحقيقة الإلهية، فسقطت في الطريق.
الصقر السلطان:
وها هو الصقر يقبل أمام الجمع مرفوع الرأس كعادته، جاء وكأنه قد كشف النقاب عن عالم الأسرار. جاء منتفخ الصدر معتزاً بقوته، متفاخراً بجبروته، وقال: أكثرتُ من تأديب نفسي، والتريض كالمرتاضين... حتى أصبحتُ جديراً بالسلطان، فهذا أفضل من السير في وادٍ بلا نهاية... وأنَّى لي أن أرى الملك في المنام؟
قال له الهدهد الحكيم، يا أسير المجاز... تعلقت بالصورة... الملك بلا شبيه!!
لم يكن الصقر أقل مراوغة من الطاووس، فكلاهما يدعي أنه لا يأمل في السلطان، ولكن يكفيه أن يكون لائقًا بحضرته، لائذًا بحماه وسطوته، جديرًا بخدمته!! لكن الهدهد الحكيم، رأى العمق الموحش، وعاين الحقيقة وراء الإدعاء، وكشف عن حقيقة مقصدهما الخفي، ألا وهو: السلطان ذاته.
ولقد تعلق كل منهما بالصورة الظلالية دون الأصل، وآثر الطاووس يقين الوعد الفردوسي، بينما آثر الصقر يقين الوعد الدنيوي على حيرة الطريق الوعر، متوهماً أنه استقر في ظل الأمن والطمأنينة والاستقرار، واحتمى من دوار اللانهائية المروعة!! ولعله ما أدرك، في ظل وطأة أسر المجاز، أنه يقين أقرب إلى قبض الريح، يسكنه الباطل، ويرتع في جوانبه العبث، ويسيطر عليه حتمية العدم!!
...
ترى هل كانت رحلة الطيور سعيا نحو مدينة "واو"، أملاً في صياغة القانون وتحقيق الأمن والاستقرار والنظام لمدينة الطيور؟!
أم لعل الرحلة كانت في حقيقتها ارتدادًا للداخل، وغوصاً في العمق، عمق الذات الساعية في باطنها بحثًا عن نقطة ارتكاز حقة، كلؤلؤة المحار الكامنة في البحر الهائج، علها تتطابق مع ذاتها الأصل، وتتصالح منسجمة متناغمة مع صيغتها البدئية، مؤسسة وجودًا أصيلاً متجددًا تواجه به وطأة العدم وحيويته المدمرة؟!
ترى هل هناك تناقض أو تعارض ما بين مسار الرحلتين؟ أليس الملك مرآة عاكـــسة للطيور، الذين لو أمعنوا النظر وحدقوا في وجه الملك، فإذا هو هم، وهو صورتهم المعكوسة!! ولعل رحلة البحث الحقة عن الملك هي رحلة البحث عن الذات المثالية بالارتداد إلى العمق الوجودي، وليس بالسعي الخارجي نحو المفارق البعيد!!
حينئذ قد يغدو البلبل العاشق أكثر الطيور فهمًا لمغزى الرحلة وهدفها الأصيل. فالذات سعي دؤوب نحو اكتمال لا يتحقق أبداَ، بل يستكن دوماً بالنقص وينتشي بفعل السعي الدؤوب لتجاوزه!! وينتعش حضور الذات بأن تقارب تخوم الاكتمال، فتُجهض المحاولة في ذروة تحققها ليتوهج السعي وتتجدد الرحلة، ويعلو صوت الحياة مزيجًا من اللذة والألم، من الأنين والرنين...
...
توالت أعذار الطيور واهية سقيمة، والهدهد الحكيم لا يكف عن تفنيدها، وكشف خباياها القبيحة، ولما بلغ الأمر غايته، اعترفت الطيور بعجزها وضعفها، وطالبت الهدهد بتوضيح الأمر لها، وإجلاء طبيعة علاقتها بالملك، عل هذا يولد الرغبة الحقة لديها فتسير صوبه، باذلة كل نفيس وغالٍ من أجله...
حينئذ قال الهدهد الحكيم، وقد أدرك عبثية الدعوى في سياق عبيد الدرهم والدينار، وأهل مقايضة الثواب والعقاب، ما يلي:
” أيها الجهلة... إلام هذا الجهل إلام؟!... إن لم تكن لكم عين مبصرة تدرك الملك، فلن يكون لكم قلب كالمرآة المجلوة... إن دار النفس جنة خلد مليئة بالرغبات والنزوات، أما دار القلب، فغاصة بالصدق، وحضرة الحق بحر خضم عظيم وقطرة صغيرة منه تساوي جنات النعيم، وكل ما عدا البحر هوس وخيال!! فتأمل الكل، واطلب الكل، وكن كلياً... “
عندما توفي نبي الله سليمان، اجتمعت أمة الطيور عند محراب الهدهد وخطبت فيه قائلة:
أيها الهدهد الحكيم، لقد مات ملكنا... و ها هي الأمم كلها تسير أمامنا، قد تفرقت في شعاب الأرض و اتخذت لها ملكاً يسودها بالعدل و يفصل بينها بالقسطاس المبين، فكيف تخلو أمتنا من ملك؟ و أنَّى السير بلا دليل و الطريق مازال أمامنا طويل؟ و حَتَّامَ الشتات بلا وطن، و الهجرة مِنْ و إلى العدم؟؟
فهلا أرشدتنا إلى مدينة "واو" ، حيث رأيتَ ملك الطيور يجلس على عرشه، فنتبع شِرعته و نستقر على رأيه؟؟؟
حينئذ أقبل عليهم الهدهد، حكيم الطيور، خليل سليمان الملك النبي، الذي زينته الحكمة حتى علا مفرقه تاج الحقيقة...
أقبل عليهم مضطربا حائراً، لا يقر له قرار... إنها خبرة الطريق، حيث يفقد العقل ميزانه، وتتضاءل الحكمة أمام سطوة العدم، ويغدو العجز عن الإدراك إدراكاً، والصمت فضاء متحرر من وطأة الألفاظ وحصار اللغة وهيمنتها، وتصبح الحيرة غاية منشودة...
لقد شارف الهدهد الحافة، واكتشف خدعة الحقيقة وكذبة الصراحة و وهم اليقين!! فحين نحدق في العمق الموحش للوجود تباغتنا روعة الفوضى وعظمة الخلاء وكوننا أبناء الهجر والتخلي بامتياز!!
لقد رحل الهدهد رحلته من قبل نحو الملك، فأصابه الاضطراب والدوار وهو يلامس حافة العدم، لكنه ظل حكيمًا عاقلاَ مؤمناَ بالحدود والنهايات، فلم ينثر الروح، ولم يتجاوز التخوم، وخشي تذوق المتعة المحظورة، وممارسة لذة الاحتراق في جحيم الإله... نعم لقد لمح الهدهدُ ملكَ الطيور، لكنه رفض التحديق لكي لا يصاب بالعُمي، فتُستلبُ الروح ويُدمرُ العقل...
عاد الهدهد، دون أن يضع القدم في الماء، ليُخبر الرفاق عن الملك، ولكنه بماذا يخبرهم؟؟ وهل ذاق شيئاً أصلاً؟!
نطق الهدهد بعد لأْي: من أراد الملك فليلحق بي. و إياكم و السقوط في الطريق، فتَلتهمكم فخاخ الوجود المبتذل!!!
لكنهم سقطوا تباعاً في فخاخهم، و ضاعت منهم غاية الرحلة في الطريق...

فلنبدأ بفخ البلبل:
إنه العاشق المدلل... أقبل ولهان نشوان ثملا، وقال: إلي قلوب العشاق سرت، في كل زمان أردد سراً جديداً، وفي كل آونة أصدر لحناً جديداً. ما إن أصابَ العشق روحي بجبروته حتى أصبحتُ بحرًا مضطرب الأمواج... معشوقتي الوردة تنثر علي أريج عطرها بداية كل ربيع... وهكذا أصبحت في عشقها مستغرقاً، حتى فنيت عن نفسي فيها!!
لم يكن البلبل ساقطًا ولا مبتذلاً في ما لا قيمة له، بل كان عاشقًا مولهاً، أخذته رعشة الانتشاء الثمل بسحر الجمال، جمال الوردة الرقيقة الباسمة!! فلماذا التفت البلبل عن الرحلة؟! هل حقاً وقع البلبل في عشق الصورة الدنيوية الوهمية الزائلة، والتي تصيب عاشقها بالضجر والملل، نتيجة التكرار والرتابة المعتادة المدمرة لطزاجة التلقي؟! وهل استسلم البلبل العاشق لأشواك الوردة الجميلة، وسخريتها القاسية منه نهاية كل ربيع حين تتخلى عنه وتتركه للنواح ليله ونهاره حتى تظهر ثانية مع قدوم ربيع جديد، وهل حُجِبَ البلبل بالصورة عن الأصل، وبالعدمي عن الخالد؟!
هذا ما قاله الهدهد العاقل الحكيم للبلبل، كاشفاً عن سوأته وخديعته الخفية لذاته عبر ادعاءات العشق الجميل الزائف!!
دافع البلبل عن موقفه: ألا يحق لي أن أكون رافضاً لمنحة الخلود، متمرداً عليها؟؟ ففي حضرة الجمال الأزلي ربما تكون السكينة المطلقة، سكينة البهتة والصعق والانمحاق أمام شمس الإله المشرقة، فحين تصل الطيور إلى الملك، ويرفع النقاب عن وجهه، فليس إلا المحو، ويغدو الحضور الذاتي إزاء تجلي الخفي المرعب الجميل الطاغي حضورًا هو للعدم المحض أقرب!!
لقد تمرد البلبل العاشق على الفضاء الآمن في ظل الملك وسيادته، وآثر مساحات الالتباس وفتنة الاكتمال المؤذن بالنقص، ومتعة الوعد المرجأ دوماً، و ظل مخموراً بسطوة العشق وجبروت نغمته المائزة، يردد في كل آن لحنًا وسرًا جديدًا... فسقط دون بلوغ الغاية...
زهو الطاووس:
أما الطاووس فقد كان أكثر جرأة وتطاولاً و وقاحة من الآخرين، حيث أقبل في حلة ذهبية، كأنه عروس يوم الجلوة قائلاً: أنَّى للملك أن يحظى بمكانتي و أنا جبريل الطيور؟ لقد كان الفردوس الأعلى مكاني، لذا ليس لي عمل آخر في الدنيا غير محاولة العودة للجنة مرة أخرى...
لكن الهدهد عرف حقيقة ما يسعى إليه الطاووس، ألا وهو السلطان الفردوسي، ذلك أن الطاووس كان واقعاً في أسر جماله الذاتي، وقد أغوته حية الفردوس، فسرى سمها في دمه، حتى أخرجته من جنة عدن... حينئذ وعي الطاووس ما ألم به من مذلة فادحة، واستقر عزمه على أن يجد مرشداً له، يعيده لجنة الخلد، فهذا هو آخر مبتغاه...
ترى هل عاد الطاووس عبر توبة آدم إلى حيث اشتهى وتمنى، فارتضى بالقطرة والظل، دون الأصل، بينما كان البلبل العاشق يسعى صوب البحر و الشمس؟!
البطة زاهدة الطيور:
أما البطة، فقد خرجت من الماء غاية في الطهر، وقالت: لا يوجد في كلا العالمين، عالمي الغيب والشهادة، من هو أنصع مني وجها أو أطهر... إنني زاهدة الطير وصاحبة الرأي الطاهر، إن مولدي ووجودي الماء... ومن يكن وعاء مائه مملوءاً، فمتى تتولد لديه الرغبة في الملك؟؟!
ولعل البطة، زاهدة الطير الطاهرة، سقطت في فخ خيلاء الأنا القداسية، متوهمة أنها امتلكت اليقين بطهرها وزهدها واستغنائها الذاتي المخايل... لقد أضحى زهدها وطهرها حجاباً وعائقاً دون رغبتها المتوهجة في الرحيل إلى الملك، لأنها قد شغلت بزهدها عن مانح الوجود، أو هذا ما تصورته!!
لكن الهدهد الحكيم، كشف قناع المخايلة، وأسفر عن وجه الحقيقة القاسي، فما زهدت البطة المدعية للطهارة الناصعة إلا في معاينة الأصل، لأنها استلبت في حضور الفرع، فسقطت في أسرها، وظنت أنها باغتسالها الدائم في الماء، قد تطهرت من دنس الوهم، وتحررت من أسر الخيال في حين أنها كانت ترفس في قيوده وأغلاله إلى درجة العمى وفقد البصيرة...
وها هو الهدهد الحكيم يبرز عمق المفارقة التي تحياها البطة الحمقاء، إذ يقول لها: "يا من تجدين في الماء سعادتك... ستأتي قطرة ماء تسلبك ماء حياتك، لقد وُجد الماء من أجل الوجوه الدنسة، ومهما كنت طاهرة نقية، فطلعتك شبيهة بطلعة كل دنس... “
مارست البطة الزاهدة الطاهرة عنفًا متخيلاً على الملك، ليس حين رفضت إتمام الرحلة، بل حين توهمت أنها بزهدها وطهارتها استغنت عن أصلها الذي منحها الوجود، والذي يَقدرُ على سلبها إياه في أي لحظة يريد...
لم تعِ البطة كون طهرها الظاهري مرآة كاشفة لنقيضه الباطني، دنس القداسة المتوهمة، والاستغناء الزائف الذي يمارس حضورًا غوائيًا استعراضيًا أكثر منه تطهريًا حقيقيًا...
لقد أطفأت مياه البطة الخيالية الطاهرة نار الحقيقة الإلهية، فسقطت في الطريق.
الصقر السلطان:
وها هو الصقر يقبل أمام الجمع مرفوع الرأس كعادته، جاء وكأنه قد كشف النقاب عن عالم الأسرار. جاء منتفخ الصدر معتزاً بقوته، متفاخراً بجبروته، وقال: أكثرتُ من تأديب نفسي، والتريض كالمرتاضين... حتى أصبحتُ جديراً بالسلطان، فهذا أفضل من السير في وادٍ بلا نهاية... وأنَّى لي أن أرى الملك في المنام؟
قال له الهدهد الحكيم، يا أسير المجاز... تعلقت بالصورة... الملك بلا شبيه!!
لم يكن الصقر أقل مراوغة من الطاووس، فكلاهما يدعي أنه لا يأمل في السلطان، ولكن يكفيه أن يكون لائقًا بحضرته، لائذًا بحماه وسطوته، جديرًا بخدمته!! لكن الهدهد الحكيم، رأى العمق الموحش، وعاين الحقيقة وراء الإدعاء، وكشف عن حقيقة مقصدهما الخفي، ألا وهو: السلطان ذاته.
ولقد تعلق كل منهما بالصورة الظلالية دون الأصل، وآثر الطاووس يقين الوعد الفردوسي، بينما آثر الصقر يقين الوعد الدنيوي على حيرة الطريق الوعر، متوهماً أنه استقر في ظل الأمن والطمأنينة والاستقرار، واحتمى من دوار اللانهائية المروعة!! ولعله ما أدرك، في ظل وطأة أسر المجاز، أنه يقين أقرب إلى قبض الريح، يسكنه الباطل، ويرتع في جوانبه العبث، ويسيطر عليه حتمية العدم!!
...
ترى هل كانت رحلة الطيور سعيا نحو مدينة "واو"، أملاً في صياغة القانون وتحقيق الأمن والاستقرار والنظام لمدينة الطيور؟!
أم لعل الرحلة كانت في حقيقتها ارتدادًا للداخل، وغوصاً في العمق، عمق الذات الساعية في باطنها بحثًا عن نقطة ارتكاز حقة، كلؤلؤة المحار الكامنة في البحر الهائج، علها تتطابق مع ذاتها الأصل، وتتصالح منسجمة متناغمة مع صيغتها البدئية، مؤسسة وجودًا أصيلاً متجددًا تواجه به وطأة العدم وحيويته المدمرة؟!
ترى هل هناك تناقض أو تعارض ما بين مسار الرحلتين؟ أليس الملك مرآة عاكـــسة للطيور، الذين لو أمعنوا النظر وحدقوا في وجه الملك، فإذا هو هم، وهو صورتهم المعكوسة!! ولعل رحلة البحث الحقة عن الملك هي رحلة البحث عن الذات المثالية بالارتداد إلى العمق الوجودي، وليس بالسعي الخارجي نحو المفارق البعيد!!
حينئذ قد يغدو البلبل العاشق أكثر الطيور فهمًا لمغزى الرحلة وهدفها الأصيل. فالذات سعي دؤوب نحو اكتمال لا يتحقق أبداَ، بل يستكن دوماً بالنقص وينتشي بفعل السعي الدؤوب لتجاوزه!! وينتعش حضور الذات بأن تقارب تخوم الاكتمال، فتُجهض المحاولة في ذروة تحققها ليتوهج السعي وتتجدد الرحلة، ويعلو صوت الحياة مزيجًا من اللذة والألم، من الأنين والرنين...
...
توالت أعذار الطيور واهية سقيمة، والهدهد الحكيم لا يكف عن تفنيدها، وكشف خباياها القبيحة، ولما بلغ الأمر غايته، اعترفت الطيور بعجزها وضعفها، وطالبت الهدهد بتوضيح الأمر لها، وإجلاء طبيعة علاقتها بالملك، عل هذا يولد الرغبة الحقة لديها فتسير صوبه، باذلة كل نفيس وغالٍ من أجله...
حينئذ قال الهدهد الحكيم، وقد أدرك عبثية الدعوى في سياق عبيد الدرهم والدينار، وأهل مقايضة الثواب والعقاب، ما يلي:
” أيها الجهلة... إلام هذا الجهل إلام؟!... إن لم تكن لكم عين مبصرة تدرك الملك، فلن يكون لكم قلب كالمرآة المجلوة... إن دار النفس جنة خلد مليئة بالرغبات والنزوات، أما دار القلب، فغاصة بالصدق، وحضرة الحق بحر خضم عظيم وقطرة صغيرة منه تساوي جنات النعيم، وكل ما عدا البحر هوس وخيال!! فتأمل الكل، واطلب الكل، وكن كلياً... “
منقول
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق